فخر الدين الرازي

270

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيراً لكونهم متقين ، وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي ، فالترك هو التقوى ، والفعل إما فعل القلب ، وهو الإيمان ، أو فعل الجوارح ، وهو الصلاة والزكاة ، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة ، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، واللوح يجب تطهيره أولًا عن النقوش الفاسدة ، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه ، وكذا القول في الأخلاق ، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي ، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي . المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : الإيمان إفعال من الأمن ، ثم يقال آمنه إذا صدقه ، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة ، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى « أقر وأعترف » وأما ما حكى أبو زيد : ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت ، فحقيقته صرت ذا أمن ، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق . وأقول : اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع . الفرقة الأولى : الذين قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان ، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية ، وأهل الحديث ، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان باللّه يتناول المعرفة باللّه وبكل ما وضع اللّه عليه دليلًا عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة ، ويتناول طاعة اللّه في جميع ما أمر اللّه به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً . فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر ، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق ، ولذلك يقال فلان آمن باللّه وبرسوله ، ويكون المراد التصديق ، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية ، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام ، بل يقال فلان آمن باللّه كما يقال صام وصلى للّه ، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة ، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر ، ثم اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات ، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد . وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل ، وهو قول أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد ، فالمؤمن عند اللّه كل من اجتنب كل الكبائر ، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد ، وهو قول النظام ، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمناً عندنا وعند اللّه اجتناب الكبائر كلها . وأما أهل الحديث فذكروا وجهين : الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة ، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة . وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر ، ثم كل معصية بعده كفر على حدة ، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار ، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار ، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله ، وهو قول عبد اللّه بن سعيد بن كلاب . الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان ، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه ، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه ، ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل .